المأمورية الثالثة.. نقاش سابق لأوانه أم اختبار للدستور / أحمد محمد حماده

من حق الفاعلين السياسيين أن يعبروا عن آرائهم وأن يطرحوا ما يرونه مناسبا لمستقبل البلاد، فذلك جزء من حيوية المجال العام ومن طبيعة التعددية السياسية. لكن بعض القضايا، بحكم حساسيتها واتصالها المباشر بقواعد اللعبة الديمقراطية، تستحق قدرا أكبر من التروي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدستور وبمبدأ التناوب على السلطة.

ومن هذا المنطلق تثير الدعوات التي بدأت تصدر عن بعض الأطراف السياسية للمطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني جملة من الأسئلة المشروعة:
لمصلحة من تُطرح هذه الدعوات الآن؟
وما الذي يمكن أن تضيفه إلى المشهد السياسي في وقت ما تزال فيه المأمورية الرئاسية الحالية أمامها سنوات من العمل والتنفيذ؟
وهل تخدم الرئيس وبرنامجه، أم أنها قد تفتح نقاشا سياسيا يصرف الاهتمام عن أولويات المرحلة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر وجاهة إذا أخذنا في الاعتبار أن الدستور الموريتاني واضح في وضعه الحالي؛ فالمادة 28 تنص على إمكانية إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة، كما أن اليمين الدستورية الواردة في المادة 29 تلزم الرئيس بألا يتخذ أو يدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مبادرة تؤدي إلى مراجعة الأحكام المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها في المادتين 26 و28.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الحق في التعبير عن موقف سياسي وبين إمكانية تحويل ذلك الموقف إلى واقع دستوري. فالدعوة إلى مأمورية ثالثة قد تكون رأيا سياسيا لدى أصحابها، لكنها، في ظل النص الدستوري القائم، تصطدم بحدود واضحة تتعلق بعدد المأموريات وبالضمانات التي أحيط بها مبدأ التناوب.
ولعل السؤال الأهم ليس فقط: هل يمكن تغيير هذه القواعد؟ بل: لماذا ينبغي فتح هذا النقاش الآن؟
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لا يزال في مرحلة تنفيذ برنامجه، والحكومة أمامها ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية وحكومية تحتاج إلى تركيز الجهد السياسي والإداري.

ومن الطبيعي، في مثل هذه المرحلة، أن يكون انشغال الأغلبية والقوى الداعمة للرئيس منصبا على مساندة تنفيذ البرنامج، وتقييم ما تحقق منه، والتنبيه إلى أوجه القصور، واقتراح الحلول التي تساعد على تحسين الأداء.

أما الانتقال المبكر إلى سؤال ما بعد المأمورية الحالية، فقد يحوّل النقاش العام من حصيلة العمل الحكومي إلى حسابات خلافة لم يحن وقتها بعد، ومن تقييم السياسات العمومية إلى جدل دستوري وسياسي يمكن أن يخلق استقطابا ليست البلاد في حاجة إليه.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ فبعض الأصوات التي تطرح اليوم فكرة المأمورية الثالثة سبق أن ارتبط مثل هذا الطرح في الحياة السياسية الموريتانية بمراحل سابقة. وهذا يجعل السؤال مشروعا حول ما إذا كان الأمر يتعلق بثقافة سياسية ترى في استمرار الأشخاص ضمانة لاستمرار المشاريع، بدلا من ترسيخ المؤسسات باعتبارها الضامن الحقيقي لاستمرارية الدولة.
فالدول لا ينبغي أن تربط استقرارها أو مشاريعها التنموية ببقاء شخص، مهما كانت حصيلته أو شعبيته. قوة التجارب الديمقراطية تقاس، في جانب أساسي منها، بقدرتها على جعل البرامج والمؤسسات مستمرة، مع بقاء التداول على المسؤوليات أمرا طبيعيا لا يهدد الدولة ولا مكتسباتها.
ومن الإنصاف في هذا السياق التوقف عند موقف الرئيس نفسه.
فقد نُقل عنه خلال لقائه بأعضاء مكتب مؤسسة المعارضة الوطنية في أبريل 2026 تأكيده أنه شخصيا لا يريد مأمورية ثالثة، وأنه لم يأمر أحدا بطرحها، مع تمسكه في الوقت ذاته بألا يفرض على الحوار السياسي استبعاد موضوع بعينه.

وفي لقائه مع الصحافة يوم 24 يوليو 2026، عاد الرئيس إلى الحديث عن مشروعه المجتمعي وأولويات التنمية والوحدة الوطنية والحكامة الرشيدة، في سياق التأكيد على عمل المؤسسات وتعزيز الاستقرار.
وبذلك يبدو أن الخطاب الأكثر انسجاما مع المرحلة هو ذلك الذي يجعل الأولوية لما يمكن إنجازه خلال السنوات المتبقية من المأمورية، لا لما سيحدث بعدها.
ولا يعني ذلك مصادرة حق أي حزب أو تيار سياسي في التعبير عن رؤيته.

فقد أعلنت بالفعل جهات سياسية تأييدها لفكرة المأمورية الثالثة بدعوى ضمان استمرارية مسيرة البناء والمحافظة على المكتسبات، في مقابل قوى سياسية أخرى ترى في هذه الدعوات تهديدا لمبدأ التناوب والاستقرار المؤسسي. وبين الموقفين يبقى الدستور هو المرجعية التي يفترض أن يحتكم إليها الجميع.
كما أن استقرار الدول لا يقوم فقط على احترام النصوص، وإنما كذلك على بناء الثقة في ديمومتها.

وكلما ترسخت لدى المواطن قناعة بأن القواعد الدستورية لا تتغير تبعا للأشخاص والظروف السياسية، تعززت الثقة في المؤسسات وأصبح الانتقال الديمقراطي أكثر طبيعية وأقل إثارة للمخاوف.
لقد مرت موريتانيا خلال العقود الماضية بتحولات سياسية متعددة، وربما يكون أحد أهم المكاسب التي ينبغي المحافظة عليها اليوم هو جعل التداول السلمي على السلطة جزءا طبيعيا من الثقافة السياسية، بحيث لا يصبح اقتراب نهاية كل مأمورية مناسبة لإعادة فتح النقاش حول قواعد التناوب نفسها.
ومن زاوية مصلحة الأغلبية الداعمة للرئيس أيضا، قد يكون الأجدى سياسيا أن توجه طاقتها إلى الدفاع عن حصيلة السنوات الماضية، والمساهمة في معالجة الاختلالات، ومواكبة المشاريع الكبرى، والاقتراب من هموم المواطنين، ومساعدة الحكومة على الوفاء بالتزامات البرنامج الانتخابي. فالإنجاز الناجح هو أفضل ما يمكن أن يتركه أي رئيس، والمؤسسات القوية هي أفضل ضمانة لاستمرار ذلك الإنجاز بعده.

أما فتح معركة المأمورية الثالثة في وقت مبكر، فقد يضع الرئيس نفسه أمام نقاش لم يطلبه، ويمنح خصومه السياسيين قضية جاهزة للاستقطاب، وربما يحجب جزءا من النقاش الذي يفترض أن يدور حول الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والحكامة ومحاربة الفساد وتعزيز دولة القانون.

لذلك لا يتعلق السؤال الحقيقي اليوم بمن سيكون رئيس موريتانيا بعد انتهاء المأمورية الحالية بقدر ما يتعلق بما يمكن أن تحققه موريتانيا قبل ذلك الموعد.
وفي النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل تحتاج البلاد بالفعل إلى إعادة النظر في قواعد دستورية وُضعت لحماية التداول على السلطة؟ وهل هناك ضرورة وطنية ملحة تبرر فتح هذا الملف الآن؟ أم أن المصلحة السياسية والوطنية تقتضي ترك هذا النقاش جانبا، والانخراط في إنجاح المأمورية الحالية وتثبيت ما تحقق وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح؟
قد تختلف الإجابات باختلاف المواقع السياسية، لكن الثابت أن احترام الدستور لا ينبغي أن يكون موقفا ظرفيا، وأن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على تغيير قواعدها من أجل الأشخاص، بل بقدرة الأشخاص، مهما علت مواقعهم، على العمل داخل قواعد الدولة واحترامها.

مقالات ذات صلة