لماذا لم يسقط النظام؟ الدولة الإيرانية العميقة من البرامكة إلى الثورة

“فضيلة الفرس في التدبير والسياسة والترتيب، وفضيلة العرب في البيان والبلاغة والبديهة”.
منذ بدء الحرب على إيران نهاية فبراير/ شباط، صار سؤال الساعة هو: لماذا لم ينهر النظام الإيراني رغم الضربات الهائلة التي تعرض لها؟ كانت الضربة الافتتاحية على وجه الخصوص، وهي التي قُتل فيها المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وبعض أفراد عائلته، فضلا عن عدد كبير من القادة، مصممة لإدخال النظام في حالة من الفوضى تنتهي بسقوطه، ولكن المفارقة التي عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن دهشته إزاءها هي قدرة النظام على تجاوزها وكأنها لم تكن.
يبدو أن فكرة الانهيار كانت مهيمنة على عقل الولايات المتحدة إلى حد أنها دخلت الحرب بلا خطة جدية، مما جعلها تغض النظر عن تفاصيل بدهية، مثل الرد الإيراني المتوقع بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف القواعد والمصالح الأمريكية. لا شك أن ثقة الإدارة الأمريكية المفرطة في إسرائيل لعبت دورا في ذلك، فقد أقنعت الحكومة الإسرائيلية إدارة ترمب بأن الأمر سيستغرق بضعة أيام أو أكثر قليلا: “نغتال المرشد والصف الأول من القادة فينزل الإيرانيون إلى الشوارع فرحين بالحرية ويسيطرون على الدولة”. كان هذا هو السيناريو الوردي الذي رسمه بنيامين نتنياهو على الأرجح لحليفه ترمب، وقبلته الإدارة الأمريكية دون تفكير.
لكن هذا لا ينفي وجود مستوى أعمق من البنية الذهنية التي ساعدت على وقوع الإدارة الأمريكية في هذا الفخ، ألا وهو النظرة الاستشراقية العنصرية التي سبق أن عبر عنها المبعوث الأمريكي توم باراك، والتي ترى أن دول الشرق “محكومة بتقاليد قبلية لا تعرف التنظيم والمؤسسات”، وبالتالي يكفي أن نقطع الرأس لكي ينهار النظام تماما، وذلك على غرار ما حصل في تجارب قريبة مثل العراق وليبيا واليمن.
أخيرا، فإن الإدارة الأمريكية لا تكاد تخفي انحيازها إلى ثقافة “الكاوبوي” وأفلام الغرب الأمريكي، حين يتولى “الشريف” قيادة حملة تهدف لقتل رئيس العصابة الشرير الذي سطا على البنك، فتنهار العصابة بعد قتله وتعيش البلدة الطيبة أجواء الفرح والرخاء. لكن الواقع الذي اصطدمت به الولايات المتحدة في حملتها بدا أعقد كثيرا من ذلك، فهذا النوع من البيروقراطيات القديمة، مثل إيران، لا ينهار بالسهولة التي يتصورها محور واشنطن وتل أبيب.
الامتداد التاريخي
يحب الغرب أن يسمي الجمهورية الإسلامية الإيرانية “نظام الملالي” كنوع من المكايدة: النظام كناية عن “طغمة لا تتمتع بالشعبية والشرعية”، والملالي إحالة إلى “رجال دين غير عقلانيين”، وهذا الادعاء لا يصمد كثيرا أمام الفحص. فإيران ليست دولة طارئة أو نتاج حدود رسمها الاستعمار على الخرائط، بل سوّرتها الجغرافيا والطبيعة بسلسلة جبال زاغروس في الغرب، وبحر قزوين في الشمال، والخليج في الجنوب. وهي إلى جانب ذلك وريثة لواحد من أقدم النظم الإدارية في التاريخ (الإمبراطورية الأخمينية والساسانية).
“الدولة العميقة في إيران اليوم هي ابنة أو حفيدة تلك الدول البيروقراطية التي سبقت الإسلام”.
وعلى هذا، فإن الدولة العميقة في إيران اليوم هي ابنة أو حفيدة تلك الدولة التي سبقت الإسلام. وقد يفيد التذكير بأن الفرس هم من اخترعوا نظام الوزارة (تكليف أعوان للحاكم يختص كل منهم بملف إداري معين)، فضلا عن حزمة ضخمة من الأدوات والهيئات والأجسام والأجهزة وحتى المفاهيم المتصلة بشؤون الحكم والإدارة، تسرب بعضها إلى اللغة العربية من خلال الدولة الأموية ثم العباسية، وبقيت حية إلى يومنا هذا، مثل: دستور، دفتر، فهرس، وزير، مهندس، برنامج، نموذج، قرطاس، قاموس، بريد، ديوان، خزينة، كمبيالة، ورزنامة وغيرها.
كان هذا كله قبل أن يعرف العالم القديم الإدارة المركزية. وهذا النفس البيروقراطي الطويل يجعل الدولة قادرة على امتصاص الصدمات، فإذا سقط الرأس، هناك دائما “نسخة احتياطية” جاهزة في الأرشيف المؤسسي، وبهذا المعنى تعمل البيروقراطية كدرع متين يحمي الدولة من الانهيار.
وعندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979، لم تُبنَ الجمهورية الوليدة على كاريزما الأشخاص، باستثناء قائدها روح الله الخميني، بل على هياكل وبنى، بعضها متوازٍ وبعضها الآخر متداخل. هذه البنى أخذت تتجذر حتى غدت مؤسسات راسخة تمثل كلٌّ منها مركز قوة. فهناك “مجمع تشخيص مصلحة النظام”، و”مجلس صيانة الدستور”، والبرلمان، والحرس الثوري وطبعا منصب المرشد الأعلى (الولي الفقيه) ومؤسسته، ومجلس خبراء القيادة ورئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي والسلطة القضائية والمؤسسات الدينية (البنياد).
هذه الغابة من المؤسسات تجعل من غياب أحد رؤسائها، بالاغتيال، يبدو وكأنه حادثة طبيعية لا تلبث أن تعود الحياة طبيعية بعدها في اليوم التالي أو حتى في اليوم نفسه. وإذا أخذنا الحرس الثوري مثالا على التوازي والتداخل، وجدنا أنه ليس مجرد جيش، بل مؤسسة اقتصادية، وأمنية، وسياسية. أي أنه مؤسسة لها مجلس شورى، وهيئات قيادية، ونظام ترقيات صارم حتى وإن شابه بعض الفساد بتطاول الزمن.

أما إذا أردنا إيجاز ما سبق بلغة فلسفية مستعارة من “الحكمة المتعالية”، أي المدرسة الفلسفية الإسلامية التي أسسها صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) في القرن السابع عشر، وتجمع بين الفلسفة العقلية، والعرفان (التصوف)، والوحي، أمكننا القول، ببعض التعسف، أن “وجود” المؤسسة أقوى من “ماهية” الأشخاص الذين يديرونها. فالاغتيالات الصهيونية والأمريكية استهدفت “أشخاصا” هم في نهاية المطاف تجليات لمشروع أكبر.
غير أن ذلك لا يعني أن الأشخاص بلا أدوار حقيقية تستند إليها المؤسسات بقدر ما يقفون على هرمها. فصناعة القادة في هذه المؤسسات عملية معقدة وشاقة تضمن عدم حدوث فراغ عند غيابهم. فهم لا يهبطون من الأعلى لمجرد قربهم من الزعيم، بل يجب أن يتسلقوا سلما بيروقراطيا طويلا ومتعرجا في الحرس الثوري أو الأجهزة الأمنية، ناهيك بوجوب توفّرهم على قدر من الكفاءة الإدارية والتحصيل الأكاديمي العالي وحتى اللغات الأجنبية.
هذه الشجرة البيروقراطية الملتفة الأغصان كثيفة الأوراق، قد تفسر، جزئيا، الصعوبات التي يواجهها الخصوم في التعامل مع إيران قبل الحرب وخصوصا بعدها، وتفسر أيضا تصريح ترمب القائل: “لا نعرف مع من نتحدث في إيران لأننا اغتلنا كل القادة”. فهو يرى الدولة الإيرانية كما لو كانت حية تموت بقطع رأسها، فإذا بها حية فعلا لكنها أفعى الهيدرا (Hydra) في الأسطورة الإغريقية الشهيرة، كلما قُطع لها رأس نبت لها رأسان. فإذا اغتيل قائد عسكري، خرج مكانه “نائب” كان يجهز لهذا اليوم منذ 20 عاما. وإذا فُرضت عقوبات على وزارة، انتقلت المهام إلى “مؤسسة خيرية” أو شركة تابعة للحرس لا تخضع لنفس القوانين.

التراكم البيروقراطي
ما رسّخ كل ذلك هو تراكم التقاليد البيروقراطية في إيران، إذ تخضع تلك التقاليد لتحسين مستمر، ويضاف إليها أو يُحذف منها على مرّ السنوات والقرون، لتبقى عصبا أساسيا للدولة لا يُستغنى عنه، مهما تغيّر شكل السلطة الحاكمة. فغداة الثورة عام 1979، لم تهدم الجمهورية الإسلامية في إيران البيروقراطيةَ القديمة (التي أسسها الشاه على النمط الفرنسي)، بل أضافت فوقها طبقة بيروقراطية أيديولوجية، وهو ما خلق نظاما إداريا بالغ التعقيد، فصار لكل مؤسسة “مدنية” ظلا في الحرس الثوري أو المؤسسات الثورية.
“غداة الثورة عام 1979، لم تهدم الجمهورية الإسلامية في إيران البيروقراطيةَ القديمة (التي أسسها الشاه على النمط الفرنسي)، بل أضافت فوقها طبقة بيروقراطية أيديولوجية”.
هذا التكرار يعمل بمثابة صمام أمان، فإذا تعطّل الأصل حل محله الرديف، والعكس صحيح أيضا. والمثال الأبرز هو مؤسسة المستضعفين، وهي مؤسسة ضخمة تابعة نظريا للمرشد الأعلى مباشرة، لكنها تُعد واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية في البلاد. ونقطة قوتها ليست فقط في أنها تدر مليارات الدولارات، ولكن أيضا في كونها بيروقراطية اقتصادية مستقلة تماماً عن ميزانية الحكومة، مما يجعل النظام محصنا ماليا ضد الانهيار المفاجئ.
لكن العودة 50 سنة أو حتى 100 سنة للوراء، في دولة ذات اتصال حضاري سحيق قد يصل إلى 2700 سنة على الأقل، لا تبدو كافية أو منصفة. ولذا لا بأس من الذهاب أبعد من ذلك بكثير. ففي الوقت الذي كانت فيه معظم الممالك تدار بـ”كلمة الملك” المباشرة، أنشأ الفرس أول نظام إداري مركزي حقيقي، ويدعى الساترايب (Satrapy)، أي الولايات: فقد قسّموا الإمبراطورية إلى ولايات، ولكل ولاية مركزها الإداري الخاص المرتبط بالعاصمة (تخت جمشيد). وهم أيضا أول من أنشأ نظام “بريد سريع” (بمعايير ذلك الزمن) لضمان وصول التقارير الإدارية من أطراف الدولة إلى المركز.
تُجمع كل هذه التقارير الإدارية وغيرها فيما يعرف بـ”الأرشيف”. هذا الأرشيف (أو “خزينة الدفاتر”) هو الذي خلق أسطورة “الدولة التي لا تنام”. وإلى ذلك، كان الفرس هم أول من أنشأ الوزارة، وكان الوزير (المقرر أو حامل العبء بالفارسية) في الثقافة الإيرانية التاريخية هو الذي يدير شؤون الدولة، بينما كان منصب الملك رمزيا سياديا.

انتقال البيروقراطية الفارسية إلى العرب
وقد لعب البرامكة الفرس دورا محوريا في نقل تلك الثقافة البيروقراطية الفارسية إلى الدولة العباسية، حيث ساعدوا في “هيكلة” الدولة وجعلوا بغداد مركزا إمبراطوريا يدير المنطقة المترامية الممتدة من الأندلس إلى الهند، من خلال نظام الورق والتقارير والمحاسبة. لقد مثل البرامكة جسرا للانتقال من “ميادين المعارك” إلى “غرف المكاتب” حيث المحابر والأوراق، وحيث صُنع المجد الحقيقي للدولة العباسية. وليس من المبالغة القول أن البرامكة أداروا إمبراطورية بـ “الورق”، بعد أن استبدلوا بالخيمة الديوان.
بدأ ذلك بما سمي لاحقا ثورة “الكاغد” (الورق). فقبل العباسيين، كان الناس يكتبون على الجلود (الرق) أو البردي، وهي مواد غالية وثقيلة وصعبة التداول، إلى أن جاء الفضل بن يحيى البرمكي، وأقنع الخليفة هارون الرشيد بإدخال صناعة الورق (التي تعلموها من الصينيين في سمرقند) إلى بغداد. ومنذ ذلك الحين، أصبح الورق رخيصا ومتوفرا وصار بإمكان “البيروقراطي” في بغداد أن يرسل “تقرير أداء” شهري لوالي خراسان أو والي مصر، ويطلب منه “كشف حساب” دقيق.
“مثل البرامكة جسرا للانتقال من ميادين المعارك إلى غرف المكاتب حيث المحابر والأوراق”.
ربما علينا الاستدراك هنا بالقول إن البرامكة لم يخترعوا الإدارة من العدم، بل نقلوا دليل الإمبراطورية الساسانية وطوروه وطبقوه في بغداد. فأنشأوا شبكة من الوزارات (الدواوين) المتخصصة، مثل ديوان الخراج (وزارة المالية). فلم تعد جباية الأموال عملية عشوائية، بل أصبحت هناك “قوائم محاسبية” وسجلات دقيقة للأراضي والمحاصيل.
وفي ديوان الرسائل كان يُصاغ “الخطاب السياسي”، إذ كان من الضروري أن يكون الكاتب أديبا وفيلسوفا وبيروقراطيا في آن واحد، فكلمة واحدة في رسالة قد تمنع ثورة أو تشعل حربا. وأما ديوان الزمام (المراجعة والمحاسبة) فكان هو “جهاز الرقابة”، ووظيفته هي التأكد من أن الأرقام في ديوان الخراج تتطابق مع الواقع. وهكذا اخترع البرامكة “الرقابة المالية”، ولم يكن مفاجئا أن تأثر النظام الإداري في الدولة عندما غضب الرشيد على البرامكة بسبب تعاظم سلطتهم واستغلالهم النفوذ لإثراء أنفسهم؛ ذلك أن أحداً لم يعد يعرف كيف يقرأ السجلات أو يدير النظام بنفس كفاءتهم.
وفي هذا السياق أو من خلاله، يمكن أن نفهم طلب هارون الرشيد إلى الغيمة أن “أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجكِ”. فالطلب المتعالي هذا يكنّي عن ثقته بديوان الخراج وكفاءة البيروقراطيين في دولته. فبعد المطر ستنبت الأرض، لتجد موظف إحصاء بيده ورق (الكاغد) يسجل عدد النخيل وكمية القمح، أي أن البيروقراطية الكفؤة حولت الظاهرة الطبيعية (المطر) إلى رقم حسابي في بغداد.
لقد كان الرشيد يعرف أن أذرع دواوينه تصل إلى أبعد نقطة وصلت إليها الغيمة. فإذا أمطرت في نيسابور أو القيروان، فإن صاحب البريد سيخبر ديوان الرسائل، وديوان الرسائل سيوعز لديوان الخراج، والخراج سيحاسب الوالي بناءً على تقديرات المطر. هنا تقع قوة المؤسسة التي أنشأها البرامكة، في تسجيلها الشاردة والواردة من قبل جيش من المحاسبين والجباة.
“كان الرشيد يعرف أن أذرع دواوينه تصل إلى أبعد نقطة وصلت إليها الغيمة. فإذا أمطرت في نيسابور أو القيروان فإن خراجها سوف يُجمع إليه”.
وفي النثر العباسي، الذي كان لثورة الورق فضلا في انفجاره، نقع على ما لا يحصى من إشارات وأمارات وعبارات عن الثقافة الإدارية والبيروقراطية عند الفرس. فيتناول المسعودي في “مروج الذهب” نظام المراتب (الطبقات) وتقسيم المجتمع والدولة عندهم، وينبه إلى أن طبقة البيروقراطيين، بصفتها العمود الفقري للدولة، كانت على رأس الهرم الاجتماعي، لا شيء فوقها سوى الملك. وأن استقامة هذا الأخير تتحقق بصلاح الكتّاب. وغني عن الذكر هنا أن الكاتب في ذلك العصر ليس هو الكاتب المنشئ المبدع، بل البيروقراطي الذي يدير السجلات والمحاسبة.
ويتعقب المسعودي، بإعجاب، هوس الفرس بالانضباط والتوثيق واستعمال الأختام، فيورد قصة عن كسرى أنوشروان توضح هذا الولع بالانضباط والتوثيق، ويذكر أن الملك كان يخصص وقتا معينا للنظر في “الدفاتر” المرفوعة من الأطراف، ويقول المسعودي: “وكان يُرفع إليه في كل يوم ما تجدد من الحوادث في أطراف مملكته، فيقرأها الكاتب بين يديه، ويوقع عليها بما يراه، ثم تُصرف إلى الدواوين المختصة لتعمل بموجبها”.

البيروقراطية في الأدب العباسي
وإذا كان المسعودي قد سلّط الضوء على “هيكل” الدولة وتاريخها، فإن الجاحظ رصد “نفسية البيروقراطي” وسلوكه اليومي. لقد عاش الجاحظ في قلب العصر العباسي، وشهد هيمنة “الكُتّاب” (أي البيروقراطيين) ذوي الأصول الفارسية على مفاصل الدولة، وكتب عنهم بغزارة، متراوحا بين الإعجاب والسخرية.
ففي كتاب “التاج في أخلاق الملوك”، نجد دليلا يقترب من التفصيل الروائي لإدارة القصور والتدبير السياسي والبروتول والتقاليد عند ملوك الفرس الساسانيين. فيتناول الجاحظ المراتب والتراتبية و”أدب الخدمة” وكيف أن لكل موظف في الديوان مكانا محددا، وطريقة في الكلام، وحتى طريقة في “التنفس” أمام الملك. يلاحظ الجاحظ أيضا قدسية النظام عند الفرس، ويرى أن الملك الفارسي لم يكن يحكم بمزاجه، بل بـ “قانون التاج”، وهو مجموعة من القواعد الإدارية والبروتوكولية التي لا يجوز كسرها، وهذا هو جوهر “المؤسساتية” التي نشير إليها.
“ينتقد الجاحظ غرور البيروقراطيين الفرس في عصره، ويسجل ولعهم بالورق والقلم، ويصف كيف يرى الكاتب البيروقراطي نفسه أذكى من القائد العسكري وأفصح من العربي، لأنه يملك سر الحساب وبلاغة الرسائل”.
وفي رسالة “ذم أخلاق الكتّاب”، ينتقد الجاحظ غرور البيروقراطيين الفرس في عصره، ويسجل ولعهم بالورق والقلم، ويصف كيف يرى الكاتب البيروقراطي نفسه أذكى من القائد العسكري وأفصح من العربي، لأنه يملك “سر الحساب” و”بلاغة الرسائل”. وبجانب ذلك، فإنه يسخر من افتتانهم بالتفاصيل، والحواشي، والتدقيق في الألفاظ، ويصف كيف يحولون أبسط الأمور إلى “معاملة ورقية” طويلة ومعقدة، وهو ما نسميه اليوم “البيروقراطية العقيمة”، فيقول: “فإنّ أحدهم إذا تعلّم فروعاً من الحساب، وأسماء الدواوين، وحفظ أقاصيص من السِيَر، وتظاهر بكتب الفرس.. ظنّ أنه الفاضل الكامل، والسياسيّ المدبر، والكاتب البليغ. ثم لا تراه إلا معتدّاً بقلمه، تائهاً بقرطاسه، يرى أن الملك لا يقوم إلا بتوقيعه، وأنّ الرعية لا تُساس إلا بتدبيره”.
ورغم نقده لغرور البيروقراطيين الفرس وسخريته من انغماسهم بالتوافه، إلا أنه يقرّ لهم ببراعتهم في التدبير (أي الإدارة) والترتيب (أي التنظيم)، ويجعل ذلك مقابلا لفصاحة العرب وبيانهم، فيكتب في “البيان والتبيين”: “وفضيلة الفرس في التدبير والسياسة والترتيب، وفضيلة العرب في البيان والبلاغة والبديهة”.
وفي الليلة السابعة من ليالي “الإمتاع والمؤانسة”، يقيم أبو حيان التوحيدي مناظرة ساخنة مع ابن عبيد، في حضرة الوزير أبي عبد الله العارض. ومدار المناظرة هو أيهما أهم، الكاتب المنشئ المبدع (وهو من يدافع عنه التوحيدي طبعا)، أم الكاتب البيروقراطي، أي المحاسب التقني (وهو من يدافع عنه ابن عبيد). يمثل ابن عبيد العقلية “التكنوقراطية” الصرفة، ويرى أن الدولة تقوم على التحصيل والاستدراك والتفصيل، ويرى أن البلاغة “زخرفة وسراب”، بينما الحساب “ماء” (حياة). ويقلل من شأن الكاتب المبدع ويقرر أن “الجيش البيروقراطي” الحقيقي هو جيش المحاسبين الذين يضبطون الأرقام من أقصى الإمبراطورية إلى أقصاها، فيكتب: “المملكة العريضة الواسعة يُكتفى فيها بمنشئ واحد، ولا يُكتفى فيها بمئة كاتب حساب”.
“يمثل ابن عبيد العقلية التكنوقراطية الصرفة، ويرى أن الدولة تقوم على التحصيل والاستدراك والتفصيل، ويرى أن البلاغة زخرفة وسراب، بينما الحساب هو الماء أي الحياة”.
يرد التوحيدي على ذلك بأن المحاسب لا يمكن أن يعمل من دون الكاتب المنشئ، ويرى أن “أعمال الدواوين فقيرة إلى إنشاء الكتب”. أي أن الرقم (البيانات) لا قيمة له دون “التقرير” الذي يفسره ويشرحه للحاكم. ويبدو التوحيدي هنا لا كناقد للبيروقراطية بقدر ما هو مدافع عن الشمولية والتكامل بين الكاتب البيروقراطي والكاتب المنشئ.
وفي الجملة، يربط التوحيدي بين البيانات (الحساب) وصناعة القرار (البلاغة والبيان والإنشاء)، ويقول: “قلت: أيها الرجل، قولك هذا كان يسلَّم لو كان الإنشاء والتحرير والبلاغة بائنةً من صناعة الحساب والتحصيل والاستدراك وعمل الجماعة، فأمَّا وهي متصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة عليها وحاوية لها، فكيف يطَّرد حُكمك وتسلم دعواك؟ ألا تعلم أن أعمال الدواوين التي ينفرد أصحابها فيها بعمل الحساب فقيرة إلى إنشاء الكتب في فنون ما يصفونه ويتعاطونه، بل لا سبيل لهم إلى العمل إلا بعد تقدمة هذه الكتب التي مدارها على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح؟ وذلك يوجد من الكاتب المنشئ الذي عِبتَه وعَضضته”.
ويستطرد قائلا: “هذه الدواوين معروفة والأعمال فيها موصوفة، وأنا أحصيها لك كي تعلم أنك غالط وعن الصواب فيها منحرف. فمنها ديوان الجيش، وديوان بيت المال، وديوان التوقيع والدار، وديوان الخاتَم، وديوان الفَضِّ، وديوان النقد والعيار ودُور الضرب، وديوان المظالم، وديوان الشرطة والأحداث”.
بين التاريخ والجغرافيا
على أن كل ما تقدّم من نبوغ بيروقراطي، لم يكن ليكون لولا عامل حاسم هو الجغرافيا. فعلى خلاف الضفة الأخرى للخليج، حيث خلقت الصحراء المترامية قبائل ظاعنة تبحث أبدا عن الماء والكلأ مشكّلة مجتمع الواحة والفيافي، عملت الهضبة الإيرانية الشاسعة المسوّرة بالجبال ضد الظعن. ذلك أن الماء الهابط من منحدرات تلك الجبال الجليدية شقّ طرقا في أجزاء كثيرة من إيران أتاحت بدورها بناء قنوات الري وازدهار الزراعة وبالتالي الاستقرار ونشوء مجتمع الأنهار والجبال والمكاتب منذ آلاف السنين. وترتّب على ذلك، بالضرورة، ذوبان الروابط القبلية لصالح الرابطة البلدية ومن ثم الروابط المدينية.
“تسبب الجغرافيا الإيرانية في ذوبان الروابط القبلية لصالح الرابطة البلدية ومن ثم الروابط المدينية”.
ولما كانت الزراعة حول الأنهار تتطلب نظاما معقدا لتوزيع المياه يشبه المحاصصة، احتاجت هذه المحاصصة إلى ذهنية “تسووية” تميل للمفاوضة والالتقاء في منتصف الطريق، وهو ما يتطلب محاسبا ومهندسا وسجلات ودفاتر. فكأن الدفتر، هنا، وُلد من النهر. وهذه بيئة مثالية لبناء البيروقراطية المركزية، فعندما يصل الجباة والمحاسبون بدفاترهم وأقلامهم إلى كل “غيمة”، تضعف حاجة الفرد للقبيلة لأنه يستمد أمنه ومعيشته من “النظام” المركزي.
بهذا المعنى، كانت المدينة الإيرانية بمثابة مقبرة للقبيلة، ففيها (أي في المدينة) يختلط الناس، وتتداخل المصالح التجارية، وتنشأ الطبقات المهنية (البازار، التجار، الصنّاع، الكُتّاب). ولذلك تشكلت المدن الإيرانية منذ أزمنة سحيقة البعد ولا تزال إلى يومنا هذا حية ومزدهرة كمراكز حضارية وبأسمائها القديمة، مثل: أصفهان وشيراز وتبريز ونيسابور ويزد وكاشان وهمدان ومشهد. ولذا ليس غريبا أن يعرّف الإيراني نفسه باسم مدينته ولا ينتسب إلى أي شيء آخر بما في ذلك عرقه، فيقول أنه أصفهاني أو شيرازي أو غير ذلك.
المذهب والقبيلة
أسهم التشيّع بدوره بسهم وافر في موت الرابطة القبلية. فبعد العهد الصفوي، لعبت المؤسسة الدينية (الحوزة) دورا مهما في توحيد الهوية بعيدا عن الانقسامات القبلية، حيث أصبحت المرجعية الدينية هي المظلة التي يلجأ إليها الناس، وهي “مؤسسة” عابرة للقبائل والأعراق، مما زاد من إلغاء الولاءات العشائرية الضيقة لصالح الهوية الدينية والوطنية الموحدة.
” لم تندثر القبائل الظاعنة في الفيافي والبوادي تماما في إيران حتى مطلع القرن العشرين، وجرى ذلك إثر التحديث القسري والعنيف الذي ابتدأه الشاه رضا بهلوي”.
ومع ذلك، لم تندثر القبائل الظاعنة في الفيافي والبوادي تماما في إيران حتى مطلع القرن العشرين، وجرى ذلك إثر التحديث القسري والعنيف الذي ابتدأه الشاه رضا بهلوي عام 1925. فقد شنّ بهلوي الأب هجوما شرسا على القبائل الإيرانية (مثل القشقائية والبختيارية) التي كانت لا تزال تحتفظ بقوة مسلحة، فأجبرهم على الاستقرار (التوطين القسري)، ونزع سلاحهم، وأخضعهم للبيروقراطية الحديثة والتعليم الإلزامي، مما أجهز على ما تبقى من “السياسية القبلية”.
ولعلّ الحرس الثوري هو أكبر المستفيدين اليوم من ذوبان الرابطة القبلية لصالح البيروقراطية المدينية. فذلك هو ما أتاح له التغلغل في المجتمع الإيراني. فغياب القبيلة بصفتها كيانا وسيطا، جعل الحرس يملأ الفراغ عبر ذراعه المدني (الباسيج) ليكون هو “القبيلة الجديدة”. فإذا أردت تسهيلات تجارية، أو قبولا جامعيا، أو حماية أمنية، فأمامك الانتماء لـ”منظومة الباسيج”. أي أن الحرس لم يسيطر بالسلاح فقط، بل بامتلاك مفاتيح الخدمات البيروقراطية.
بعد هذا كله، لا يعود السؤال المطروح هو لماذا لم ينهرْ “النظام”، بل لماذا ينهار أصلا وهو على ما هو من الوصف المتقدم سرده. ورغم ذلك، ينبغي التحرز والاستدراك هنا. فأي “نظام”، فيزيائيا كان أو كيميائيا أو بيولوجيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو رقميا.. هو، بالتعريف، قابل للانهيار.
وتتفاقم هذه الاحتمالية بالنظر إلى “طبيعة” القوتين المنخرطتين في تدمير إيران اليوم، أي الولايات المتحدة في ظل إدارة ترمب، وإسرائيل في ظل حكومة نتنياهو. فـ”إبستيمية” الأولى ولا عقلانيتها، و”توراتية” الثانية وإباديتها، لا تُبقيان الكثير من المساحة للتفاؤل. أما ما هو مؤكد، فهو أن الانهيار لو حصل، فسوف يطال كل الأطراف، وسيدفع العالم كله ثمنا باهظا لذلك.



