إياد آغ غالي.. زعيم جماعة نصرة الإسلام المتمردة في مالي

عندما كان شابًا، احترف عزفَ الموسيقى وتنقّل بين تشاد ولبنان وليبيا، ثم تردّد اسمه لاحقًا في بياناتٍ ارتبطت كلّها بالمعارك. وفي 25 أبريل/نيسان 2026، ظهرت بصماته في هجماتٍ شرسة هزّت الحكمَ العسكري في باماكو.
تجمع سيرة إياد آغ غالي بين أدوار متباينة، امتدت من الزعامة القبلية لدى الطوارق إلى العمل الدبلوماسي والوساطة في ملفات إقليمية ودولية، وصولا إلى قيادة عسكرية بارزة في شمال مالي، فهو طوارقي بالولادة، إفوغاسي بالقبيلة، إسلامي بالأيديولوجيا.
يُعد المؤسس والقائد لحركة حركة أنصار الدين المسلحة، التي يصفها بعض المراقبين بأنها “طالبان” إقليم أزواد، في إشارة إلى طبيعتها الأيديولوجية والميدانية.
وقد شهد مساره تحولا لافتا من الاهتمام بالموسيقى وكتابة الأغاني إلى قيادة تنظيم مسلح يُصنَّف ضمن أبرز الجماعات المسلحة في أفريقيا. هاجر إلى ليبيا في سبعينيات القرن العشرين ضمن موجة الجفاف، ثم قاد التمرد الطوارقي عام 1990، قبل أن يعمل دبلوماسيا ماليا في جدة، ثم وسيطا مع تنظيم القاعدة في صفقات الرهائن.
شارك في تسعينيات القرن العشرين في القتال ضد حكومة مالي ضمن الحركة الشعبية للأزواد، كما لعب دورا في مفاوضات مرتبطة بعمليات إطلاق رهائن لدى ما يعرف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
المولد والنشأة
بحسب سيرته التي نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية، وُلِد غالي عام 1958، ويكنيه أنصاره بأبي الفضل.
ينحدر من قبائل الطوارق ذات الزعامة التاريخية في إقليم أزواد، وقد عُرف في شبابه بشغفه بسباق الجمال قبل أن يتدرّج ليصبح قائدا قبليا ومن الشخصيات القليلة التي يطلب رأيها، حتى لُقّب داخل قبيلته بـ”أسد الصحراء”.
ينتمي إلى قبيلة إيفوغاس العريقة، وينحدر من مدينة كيدال، وقد كان طفلا عندما أقدم الرئيس المالي الراحل موديبو كيتا على نزع الزعامة من قبيلته في إطار مساعيه لإنهاء المشيخات القبلية.
ومع تفاقم الجفاف الذي دفع كثيرا من شباب الطوارق إلى الهجرة، غادر آغ غالي موطنه متنقلا بين لبنان وتشاد ليبيا حيث انخرط ضمن كتائب الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

التجربة القتالية
في سياق الصراع التاريخي للطوارق في صحراء أزواد مع السلطة المركزية في مالي، خاض آغ غالي القتال في تسعينيات القرن الماضي ضمن صفوف “الحركة الشعبية للأزواد”، وكان حينها أقرب إلى الفكر اليساري القومي، ضمن مشروع استقلال إقليم أزواد.
وبوساطة جزائرية، توقفت المواجهات في منطقة كيدال أواخر عام 1992، مع إدماج عدد من المقاتلين في الجيش المالي، بينما رُفض إدماج غالي، فتم تعيينه لاحقا قنصلا عاما لمالي في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
وبعد اتفاق 1991-1992 الذي رُعي إقليميا، دخل غالي مرحلة من الغموض، قبل أن يعاود الظهور في بدايات الألفية الجديدة بدور الوسيط في إطلاق رهائن غربيين محتجزين لدى جماعات مسلحة في المنطقة، من بينها عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كما شارك في مفاوضات بين الحكومة المالية ومتمردي الطوارق، وأدت هذه الوساطات إلى الإفراج عن رهائن مقابل فديات مالية.
وفي تلك المرحلة، تضاربت الروايات حول مساره، بين من أشار إلى سفره إلى باكستان أو انخراطه في أنشطة دعوية مع جماعة التبليغ والدعوة، وبين من رجّح تأثره بالفكر السلفي ذي النزعة الجهادية.
وفي عام 2003، عاد إلى الواجهة مجددا وسيطا بين أجهزة المخابرات الغربية وتنظيم (القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي) في إطار عمليات تحرير رهائن أوروبيين، مما عزز دوره كحلقة وصل بين الجماعات المسلحة والأطراف الدولية.
وكان أيضا كبير المفاوضين لدى السلطات المالية في مفاوضات أجرتها الحكومة مع متمردي الطوارق، كما عمل في الفترة نفسها موظفا إداريا في الجزائر وليبيا.
وتُشير روايات إلى أن لقاءاته مع قيادات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في تلك المفاوضات أتاح له التعرف عن قرب على عناصر التنظيم وأفكارهم، مما أدى إلى نوع من التداخل والتأثر المتبادل في الأفكار.

تأسيس حركة أنصار الدين
وعقب التمرد الذي قاده الطوارق عام 2006، شكّل رئيس مالي حينها أحمد توماني توري مليشيا مشتركة من العرب والطوارق، وجعل على رأسها محمد آغ غامو، وهو من قبيلة تابعة لقبيلة إيفوغاس التي ينتمي إليها غالي.
أصبح غامو ورجاله سادة منطقة كيدال، مما دفع بغالي إلى محاولة استرجاع مجد قبيلته من خلال تأسيس حركة أنصار الدين، وفق عدد من التقارير.
من جهة أخرى، تذكر وكالة الأناضول أنه مع انهيار نظام معمر القذافي الذي شكّل لسنوات عائقا أمام محاولات الطوارق الانفصال بإقليم أزواد عن حكومة مالي، عاد إياد غالي إلى أزواد، حيث بدأ بتجميع مقاتلين من الطوارق ومن عناصر عسكرية سابقة، قبل أن يؤسس عام 2011 “حركة أنصار الدين” التي رفعت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية إلى جانب مطالب محلية تتعلق بسكان المنطقة.
حركة أنصار الدين حملت لاحقا اسم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، بعد انضمام جماعات أخرى إليها عام 2017.
ولعل هذه التجربة تجعله اليوم الأقدر على الجمع بين مكونات “نصرة الإسلام والمسلمين” و”جبهة تحرير أزواد” تحت سقف واحد.
وتصف حركة أنصار الدين نفسها بأنها حركة إسلامية سلفية تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد دخلت في تنسيق مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركات مسلحة أخرى، وبدأت عملياتها العسكرية مطلع 2012 بسيطرتها على مواقع عسكرية في شمال مالي.
تتشكل غالبية الحركة من الطوارق، إلا أن طابعها الإسلامي جذب أنصارا من مكونات عرقية مختلفة في المنطقة ومن دول الجوار. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، دخلت في تنسيق مباشر مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلى جانب تنسيق مماثل مع حركة “التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا”، المنفصلة عن التنظيم.
وبحلول مارس/آذار وأبريل/نيسان 2012، توسعت سيطرة الحركة لتشمل مناطق من بينها تمبكتو، وسط إعلان توجّه لتطبيق الشريعة وإدارة محلية للمناطق الخاضعة لسيطرتها.
وفي مايو/أيار 2012، وقّعت الحركة اتفاقا مع “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” لتشكيل إطار مشترك، قبل أن تظهر خلافات حالت دون تنفيذ المشروع، مع استمرار تباين المواقف بشأن استقلال الإقليم.
وفي الفترة ذاتها، برز غالي قائدا ميدانيا يسعى إلى فرض مشروعه السياسي الديني، مع تنامي علاقاته التنظيمية مع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وازدياد الدعم اللوجستي والمالي بين الطرفين، مما عزز موقعه داخل المشهد المسلح في شمال مالي، خصوصا بعد التطورات العسكرية التي أعقبت التدخلات الإقليمية والدولية في البلاد.
في قوائم الإرهاب
وفي فبراير/شباط 2013، أعلنت الولايات المتحدة أنها أضافت اسم غالي إلى قائمة الإرهاب.
وفي 21 يونيو/حزيران 2024، نشرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق آغ غالي، وقالت إن أبا الفضل متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بين يناير/كانون الثاني 2012 ويناير/كانون الثاني 2013، وصدرت مذكرة الاعتقال هذه منذ عام 2017، لكن لم يتم الإعلان عنها قبل 2024.



