الثالث عشر من رمضان: ذاكرة الرحيل وبشائر النصر وخلافة منافسة غيرت وجه العمارة الإسلامية

ليس رمضان مجرد شهر للعبادة فحسب، بل هو في الوجدان الإسلامي “شهر التحولات العظمى”. وفي اليوم الثالث عشر منه، نجد أنفسنا أمام صفحات مطوية من تاريخنا، تارةً تقطر هيبة من ذكرى رحيل رجال ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس، وتارةً أخرى تفيض فخراً بانتصارات أعادت للأمة كرامتها.
في مثل هذا اليوم من عام 95 للهجرة، طويت صفحة واحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السياسي الإسلامي؛ الحجاج بن يوسف الثقفي. رحل الرجل الذي وطّد أركان الدولة الأموية بحد السيف، والذي رغم قسوته المشهودة، كان هو نفسه الذي سيّر الجيوش لفتح بلاد السند وما وراء النهر.
برحيله في هذا اليوم، تنفس خصومه الصعداء، لكن التاريخ سجل أن الدولة الأموية فقدت “ساعدها الأقوى”. إن الربط بين رحيله في رمضان وبين هدوء الفتن بعده يعطينا لمحة عن كيف يمكن لشخصية واحدة أن تمسك بخيوط الاستقرار والاضطراب في آن واحد.
وإذا اتجهنا غرباً نحو الأندلس، نجد أن الثالث عشر من رمضان عام 591 للهجرة كان يوماً مشهوداً في تاريخ الصراع الإسلامي-الإسباني. في هذا اليوم، قاد السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور جيوش المسلمين ليحقق نصراً مؤزراً في معركة “الأرك” (Alarcos) ضد قوات مملكة قشتالة بقيادة ألفونسو الثامن.
لم تكن “الأرك” مجرد معركة عابرة، بل كانت استعادة لروح “الزلاقة”. لقد أخر هذا النصر سقوط الأندلس لعقود طويلة، وأثبت أن وحدة المغرب والأندلس تحت راية الموحدين كانت السد المنيع أمام زحف “حركات الاسترداد” الإسبانية. إن انتصار “الأرك” في عمق رمضان يجسد فلسفة “الجهاد والصيام” التي تحول الجوع والعطش إلى قوة إرادة لا تُقهر.
وفي سياق آخر من فصول التاريخ، يرتبط هذا اليوم (في روايات تاريخية) بوصول المعز لدين لله الفاطمي إلى القاهرة، أو البدء في ترسيخ دعائم الحكم الفاطمي في مصر، مما حولها من ولاية تابعة للخلافة العباسية إلى مركز لخلافة منافسة غيرت وجه العمارة، والثقافة، والمذهب في قلب العالم الإسلامي.
إن المتأمل في أحداث 13 رمضان يدرك أن التاريخ لا يتحرك في خطوط عشوائية. فرحيل “طاغية” كالحجاج، وانتصار “عادل” كالمنصور الموحدي، كلاهما يمثلان وجهين لعملة واحدة: تدافع القوى في سبيل البقاء.
هذا اليوم يذكرنا بأن رمضان هو شهر “الحسم”؛ ففيه ترحل دول، وتولد انتصارات، وتتغير مصائر شعوب، وظل الثالث عشر من رمضان عبر القرون محطة للتأمل في كيف يصنع الإيمان والعزيمة فارقاً في موازين القوى الأرضية.



