لماذا يهاجر الشباب المغاربة إلى البرازيل؟

“الزين والعين الزرقة جانا بكل خير.. اليوم يمشوا بالفرقة البنات ما في خير.. شحال من هي معشوقة داروا لها الشان.. المريكان.. تسمع غير أوكي أوكي، هذا ما كان” (*)

بواسطة (أغنية “العين الزرقاء” 1945- الحسين السلاوي)

تصر أمي في كل مرة أعود فيها إلى المغرب على أن آتي معي بـ”باراسيتامول” وشوكولاتة “فيريرو روشيه”، ورغم محاولاتي المستميتة لإقناعها بأن هذه الشوكولاتة وغيرها يمكن شراؤها في الغرب، وبأن المذاق هو نفسه فوق كل أرض وتحت أي سماء، وأن هناك العديد من الأنواع الأخرى التي تستحق فرصة التجربة، لكن لا حياة لمن تنادي.

بالنسبة لأمي فأي شيء “جاي من برا” هو قطعا أفضل مما سنجده في الداخل. الخارج، إنه ذلك المكان الساحر الذي يحلم به الجميع، وتلك الجنة التي يوعد بها الحالمون. بدأت أتعرف على الصورة النمطية للخارج في مخيال المجتمع المغربي في 3 مشاهد رئيسية ما زلت أذكرها طفلا ثم مراهقا. صغيرا، أذكر أبناء حينا القادمين من الخارج في العطلة الصيفية، أتذكر قصصهم حول أوروبا، حول مساكنهم هناك وحياتهم، ملاعب الكرة المتناثرة، الشوارع النظيفة التي يستوطنها أناس طيبون وصادقون لا يُظلَم عندهم أحد، لا ينقصهم سوى “الشهادة”، وسيذهبون قطعا إلى الجنة لو نطقوا بها.

أتذكر أيضا أحد أفراد العائلة الذي توقفت حياته حرفيا بعدما فشلت محاولاته العديدة في السفر إلى إيطاليا عن طريق خاله، كما أنني أتذكر خاله شخصيا الذي ولأنه يعيش في الخارج، كان مجبرا على إخراج “زكاة السعادة” في الصيف حينما يؤمن سفرا متكاملا لجميع أفراد أسرته، الوالدين والإخوة والأخوات وأزواجهن. لا أحد كان يستغرب الأمر، فهو يعيش في إيطاليا، إذن “عنده الفلوس ولاباس عليه” (أي ثري بالدارجة المغربية).

أما المشهد الثالث فكان لجار جدتي الذي جاوز السبعين من عمره، وكان قد ذهب إلى أوروبا للقدوم بابنه العالق هناك منذ 30 عاما. سافر الرجل شابا وشاخ هناك، لكنه لم يتمكن من العودة، خوفا وحرجا من أسرته لأنه لم يتمكن من الحصول على أوراق إقامة، ولم يتمكن من تحقيق ما يجب تحقيقه في الغربة؛ الأموال الكثيرة والمنزل والسيارة الفارهة. عاد جارنا بابنه الغائب منذ عقود، وبعد مدة قصيرة توفاه الله، كأن تلك السفرية إلى أوروبا كانت رحلته الأخيرة.

CASABLANCA, MOROCCO - JUNE 15: A view of the Casablanca Mohammed V International Airport after flights reopened following the closure due to the novel type of coronavirus (COVID-19) pandemic in Casablanca, Morocco on June 15, 2021. (Photo by Jalal Morchidi/Anadolu Agency via Getty Images)
حلم السفر للخارج عند المغاربة يظهر منذ الصبا (الأناضول)

لطالما تساءلت حول هذا التعلُّق الكبير في مجتمعنا بالسفر. الأمر يتجاوز كل ما هو مادي، فالنجاح لم يعد هو الحلم، مجرد الرحيل والسفر هو النجاح نفسه. تتحدى هذه الرغبة المنطق في أحيان كثيرة، ففي وقت قد يُعَد فيه السفر أو الهجرة الحل الأخير بعد أن أُغلِقَت الأبواب في وجه الشباب من أجل مستقبل أفضل، يظهر حلم السفر في المجتمع المغربي منذ الطفولة. في الشارع مثلا يتحدى الأطفال الصغار بعضهم البعض بالتعرف على لوحات سيارات أوروبا، وأرقام المقاطعات أيضا، ومنذ نعومة أظافرهم تظهر الرغبة في الذهاب ثم العودة إلى المغرب بسيارة فارهة تزيدها اللوحة الأوروبية بهاء، رغم أنه منطقيا لم يطرق هذا الطفل الأبواب، لم يصل إليها حتى، بل إنه لم يبصرها بعد، بيد أن حلم السفر استأثر بلبه الصغير، والرجال لا ينسون أحلامهم على كل حال.

“في الشارع يتحدى الأطفال الصغار بعضهم البعض بالتعرف على لوحات سيارات أوروبا، وأرقام المقاطعات أيضا”

أوروبا وأمريكا وكندا، ثم الدول الخليجية بنسبة أقل، كل هذه وجهات داعبت أحلام أجيال المغاربة عبر الطرق الشرعية إذا أمكن، أو قوارب الموت، التي يعلم الله وحده عدد الهالكين فيها. كل هذه الوجهات بقيت معقولة ومقبولة، بيد أن هناك وجهات أخرى ظهرت لدول ليست أحوالها أفضل كثيرا من المغرب، اقتصاديا ومعيشيا على الأقل، دول تعاني هي الأخرى، لكنها فجأة ودون مقدمات باتت فرصة لتحقيق النجاح، الذي يرادف السفر في كثير من الأحيان.

إحدى هذه الوجهات الجديدة التي ظهرت بقوة في العقد الأخير، هي بلاد السامبا والحفلات والحياة الليلية، بلاد كرة القدم و”الكوباكابانا” و”الماراكانا”. إنها البرازيل التي كانت مجرد وجهة سياحية ساحرة، فباتت تسحر أحلام بعض الشباب المغربي الباحثين عن فرص جديدة.

بعض الحنين

في غرفة مظلمة يغلب عليها ضوء أحمر حزين عَكَسته الستائر يظهر رجل في أربعينياته أو خمسينياته في مقطع غير مفهوم، يبدو فيه وكأنه ينعي نفسه بنفس صوفي واضح. يحكي الرجل بنفسه عن نفسه، يعاتبها ويرثيها ويتحدث عن رحمة الله الواسعة وجمالية لقائه وعظيم عفوه. في البداية لفت انتباهي الاسم، “سامي دو برازيل”، إذ لا يختلف شكله كثيرا عن البرازيليين، لكن لهجته المغربية الدارجة تقول بوضوح من أين يأتي. إنه مغربي قطعا، وإن كانت لهجته قد تخللتها بعض الركاكة بسبب الحياة وسط البرازيليين والحديث باللغة البرتغالية يوميا لفترة طويلة.

قدم سامي إلى البرازيل منذ سنوات، أحب البلد وعاش فيها مستطعما ترحيبها بالجميع نهارا، ومتعها التي لا تنتهي ليلا، ويبدو أنه من أوائل الذين قدموا إلى هذه البلاد للبحث عن حياة مختلفة عن تلك التي يعيشها المغاربة في مدنهم وقراهم. من خلال الفيديو يبدو تائبا في كلامه من أمور كثيرة، نادما على أمور أكثر، ويمكننا أن نفهم من سياق كلامه أنه عاش كغيره من الناس، ذاق الغنى وعرف الفقر. وبرغم ندمه يبدو راضيا بما قد كتبه الله عليه من المرض، يتحدث عن الله بالكثير من الحنين، وعن الإسلام بذكريات الطفولة حيث المسجد والقرآن والعيد مع الأسرة.

لم يكن حدس سامي مخطئا، فبعد دقائق قليلة من مشاهدتي للمقطع الأول، وجدت مقاطع أخرى يقترحها عليَّ يوتيوب تتحدث عن وفاته وأنه لقي ربه في الأرض التي اقترن بها اسمه؛ البرازيل، حيث عاش عقودا عديدة، وحيث كان آخر عهده بالدنيا، وحيث دُفِن.

في أحد المقاطع يظهر سامي مستضيفا مغربيين آخرين، أحدهما يدعى “سمير”، وهو مؤثر يملك قناة على يوتيوب وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي تحمل مسمى “مسمار البرازيل”. في المقطع يظهر سامي دو برازيل وهو في حالة صحية مرهقة، سعيدا بزيارة سمير والشخص الثالث، حيث يتحدث عن حالته الصحية وينتهي الفيديو بدعوة الناس للتبرع له بسبب الضيق المادي الذي يعيشه وبسبب مشاكله الصحية التي لم يحدد سببها، كل ما يذكره بأن الأمر بدأ بعد زيارة إلى الشاطئ.

من مقطع إلى مقطع، اكتشفت عالما من المؤثرين المغاربة في البرازيل، لا يقتصر حضورهم أو “محتواهم” على التعريف بالبلاد وثقافتها ولغتها والحياة فيها، بل يتركز محتواهم أساسا على الحديث عن تجربة العيش في البرازيل. ويعمل الكثير من هؤلاء مرشدين للهجرة للشباب الذين يريدون خوض غمار التجربة وترك الدار البيضاء والرباط ومراكش وأكادير وطنجة، والمجيء للاستقرار في ساو باولو، وريو دي جانيرو، وبرازيليا، وسلفادور، وفورتاليزا.

تطرح هذه المقاطع الكثير من الأسئلة حول موضوع الهجرة وعلاقته بالمجتمع المغربي، فلطالما كانت الهجرة في المغرب موضوعا للنقاش الأكاديمي والعمومي، وقد حاولت العديد من الدراسات فهم تطلعات الشباب المغربي، المتعلم منهم وغير المتعلم، ورغبته في الهجرة. وفي إطار محاولة الدولة المغربية الإجابة عن بعض الأسئلة في هذا السياق، بدأت المندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة الأبحاث الحكومية في المغرب، العمل على دراسة حول موضوع الهجرة منذ عام 2018 نشرت نتائجها في يوليو/تموز 2020.

التحقيق الذي تم إجراؤه على عينة من 15 ألف أسرة مغربية منها 8200 أسرة لمهاجرين حاليين و4100 أسرة لمهاجرين عائدين و2700 أسرة لغير المهاجرين، والذي صدر في وثيقة من 213 صفحة، يقول إن أكثر من 70% من المغاربة لا يريدون مغادرة المغرب، ومن ثمَّ فإن “الرغبة في الفرار” ليست إلا خيالات.

“أكثر من 70% من المغاربة لا يريدون مغادرة المغرب، وفق دراسة حكومية صدرت عام 2020”

تقول الدراسة أيضا إن كون الشخص على اتصال مباشر بالهجرة عبر وجود فرد من الأسرة في الخارج، لا يبدو أنه محفز قوي على المغادرة، حيث إن نسبة الذين لديهم نية للهجرة إلى الخارج في هذه الأسر لا تختلف كثيرا عن نسبة الأسر التي لا يوجد فيها أي مهاجر (23.8% مقابل 23.3%). وتذكر المندوبية السامية للتخطيط أن الدافع الاقتصادي يعتبر السبب الرئيسي للرغبة في الهجرة، حيث يشكل المحفز الأول لـ 73.5% من الراغبين في الهجرة، تأتي بعدها الأسباب الاجتماعية بنسبة 21.8%.

جاءت هذه الدراسة في فترة ما قبل وباء “كوفيد”، الذي أنهك الاقتصاد العالمي، ثم وفي أغسطس/آب 2024، كشفت نتائج دراسة استطلاعية حديثة أنجزها “البارومتر العربي” تحت عنوان “الرأي العام تجاه الهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” أن نسبة المغاربة الراغبين في الهجرة وصلت إلى 35%. ويقول التقرير إن 55% من الشباب المغربي، الذي تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما عبَّروا عن رغبتهم في الهجرة، وهي نسبة تقل لدى من تزيد أعمارهم عن 30 سنة، فتصبح 24%.

من النقاط المهمة في هذه الدراسة المستوى التعليمي للراغبين في الهجرة، حيث سجَّلت أن 42% من الحالمين بالخروج من المغرب هم من الحاصلين على التعليم الجامعي، و33% منهم من الحاصلين على التعليم الثانوي أو أقل. وحول طريقة مغادرة البلاد، يقول التحقيق بأن 53% من المغاربة الذين يفكرون في الهجرة أكدوا أنهم “قد يغادرون المملكة حتى إذا لم تتوفر لهم الأوراق والتصاريح اللازمة لذلك”، ما يعني الهجرة السرية أو غير النظامية.

Morocco - MIGRANT CRISIS foreign citizen entry to the country. Refugees near barbed wire fence. Western Sahara. Concept illustration.
النسبة الأكبر من المغاربة الراغبين في الهجرة هم من الحاصلين على شهادة جامعية (شترستوك – رسم توضيحي)

أصل الحكاية

في كتابه “عامان بين السكان الأصليين” الذي وثق فيه رحلته إلى البرازيل وغابات الأمازون، يحكي الأنثروبولوجي الألماني “تيودور كوش كرونبِرغ” عن “الحبر شالوم إيمانويل مويال” الذي كان في بعثة “إنسانية” مرسلا من الحاخام الأكبر ليهود المغرب سنة 1908، لكنه توفي بعد عامين إثر إصابته بالحمى الصفراء الأمازونية.

تقول المعلومات إن الحاخام اليهودي كان يساعد السكان المحليين في معالجة الأمراض الفتاكة، إلى حد أنهم اعتقدوا بأنه “يصنع المعجزات”، قبل أن تفتك به الحمى الصفراء. وحينها انفض الجميع من حوله سوى شخص واحد سهر على مراعاته في فترة مرضه. واليوم، في قلب الأمازون، بالقرب من مدينة ماناوس، عاصمة ولاية الأمازون، يقع ضريح مويال الذي يُعَد من المقامات التي يتبرَّك بها اليهود، كما رفض سكان المنطقة نقل رفاته إلى المغرب أو إلى إسرائيل (استجابة لمطالبات يهودية)، معتبرين أن قبره بات مزارا سياحيا لا تريد السلطات المحلية التفريط فيه.

“كانت المملكة المغربية أول دولة أفريقية تعترف باستقلال البرازيل عن البرتغال عام 1822، رغم أنها لم تفتتح سفارة لها هناك إلا عام 1967”

تمتد العلاقة بين المغرب والبرازيل إلى بدايات القرن التاسع عشر، إذ كانت المملكة المغربية أول دولة أفريقية تعترف باستقلال البرازيل عن البرتغال عام 1822، كما سارعت للاعتراف بالجمهورية البرازيلية الفتية التي تأسست عام 1889، رُغم أنها لم تفتتح سفارة لها هناك إلا عام 1967. وكان للجالية اليهودية المغربية دور رائد في تلك العلاقة، فقد بدأ اليهود المغاربة رحلاتهم إلى البرازيل طيلة القرن التاسع عشر، قبل أن تنقص موجات الهجرة بالتزامن مع إعلان فرنسا “حمايتها” على المغرب، ولذا يُشكِّل اليهود ذوو الأصول المغربية حوالي 20% من اليهود البرازيليين اليوم.

في كتابه “مازاغان.. المدينة التي عبرت المحيط الأطلسي”، يذكر الباحث والمؤرخ الفرنسي “لوران فيدال” أن قلعة مازاغان البرتغالية التي بُنيَت في قلب المغرب، وهجرها ساكنوها في مارس/آذار 1769 بعد طرد البرتغاليين، كانت سلفا للقرية التي تحمل الاسم نفسه في قلب الأمازون، حيث كانت الأخيرة بمثابة أثر للبرتغاليين المبعدين الذين انتقلوا إلى “العالم الجديد”.

كتابه "مازاغان" المدينة التي عبرت المحيط، يذكر الباحث والمؤرخ الفرنسي "لوران فيدال" أن قلعة مازاغان البرتغالية التي بُنيَت في قلب المغرب
كتاب “مازاغان” للباحث والمؤرخ الفرنسي لوران فيدال  (الجزيرة)

وبعد مرور أكثر من قرن على الهجرات المغربية اليهودية، وفي يونيو/حزيران 2024، نشر موقع “لوبينيون” المغربي مقالا  جاء فيه إن 487 مغربيا قدموا طلبات لجوء إلى البرازيل عام 2023، وأن المغاربة في المركز التاسع من حيث عدد المتقدمين بطلب اللجوء. وفي مقال له حول الموضوع في وقت سابق، ذكر موقع “هسبريس” نقلا عن “وكالة المغرب العربي” أن البرازيل شهدت في السنوات الأخيرة توافد العديد من المهاجرين المغاربة الذين اختاروا أمريكا الجنوبية وجهة لاستشراف آفاق اقتصادية واجتماعية جديدة. وجاء في المقال أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في أوروبا جعلت من البرازيل وجهة مفضلة، خصوصا أنها تمتلك اقتصادا ناميا.

ويقول المقال إن العديد من أفراد الجالية المغربية قدموا إلى البلد بدافع اقتصادي بالدرجة الأولى، منوها أن الجالية المغربية تتركز في مناطق ريو دي جانيرو وساو باولو، بجنوب شرقي البلاد، وكوريتيبا في الجنوب، في حين يتوزَّع الباقون بين العاصمة الفيدرالية برازيليا والمدن الرئيسية بالشمال البرازيلي مثل سالفادور وماناوس وفورتاليزا.

“معظم المهاجرين الجدد من الشباب دون الثلاثين”

يذكر التقرير نفسه أن متوسط أعمار هؤلاء المهاجرين الجدد دون الثلاثين، وأن غالبيتهم قادمون من المدن الكبرى، فاس والرباط وسلا والدار البيضاء، وبعض مدن الجهة الشرقية مثل وجدة وبركان، فيما تقل نسبة المنحدرين من مدن الشمال أو الجنوب المغربي. وبعد جولة موسعة في قنوات وصفحات هؤلاء المهاجرين الجدد، بدا الأمر آخذا في التوسع.

كانت البداية مع “سمير” صاحب قناة مسمار البرازيل. وبعد إرسال بريد إلكتروني أولي له لطلب التواصل أجابني بالقبول والترحيب مرسلا لي رقمه للتواصل عبر تطبيق واتساب. بمجرد إرسال رسالتي الأولى جاءتني رسالة تلقائية تشكرني وتقترح عليَّ انتظار الانضمام إلى مجموعة الواتساب الخاصة بالشباب المغربي المهاجر أو الراغب في الهجرة إلى البرازيل. بدواعي الفضول الصحفي، انضممت إلى المجموعة، وسرعان ما تفرَّعت الاقتراحات إلى مجموعات كثيرة، منها الخاصة بالوثائق الإدارية والبحث عن عمل، وثانية بالسكن، وثالثة بالنقل والتذاكر، وأخرى بالدراسة، ثم خامسة بالصحة والولادة، وأخيرة مجموعة للتجارة.

سمير، أو “مسمار البرازيل”، هو شاب مغربي ثلاثيني كان دائم الحلم بالسفر إلى الخارج، تلك الأراضي التي يذهب إليها المغربي طموحا وحالما فيعود منها بالراحة المادية التي تتيح له شراء شقة أحلامه وسيارته الفارهة. إنها الصورة النمطية التي داعبت خيال كثيرين قبل سمير، ولا تزال تفرض نفسها على كثيرين يقتفون طريقه.

في فيلم “كازانيغرا” (2008)، وهو أحد أهم الأعمال السينمائية المغربية، كان “عادل”، الذي لعب دوره الممثل “عمر لطفي”، دائم الحلم بمدينة ستوكهولم، حيث كان يعيش على أمل السفر إلى هناك، حيث الماء والخضرة و”الوجوه الحسنة”. وتذكيرا لنفسه، كان يحمل عادل صورة ستوكهولم معه في كل مكان، تذكيرا لنفسه بذلك الفردوس الأرضي الموجود على جهة أخرى من العالم. بيد أن المخرج “نور الدين الخماري” يوحي لنا في أحد المشاهد بأن الصورة ليست لهذه المدينة، التي لا يعرف عنها البطل أي شيء، وأنها مجرد فنتازيا أنشأها هو نفسه كصرح من الخيال، سرعان ما يهوي في الأخير، حين تتمزق الصورة في رمزية تكشف هشاشة الحلم.

“كان سمير يحلم بأمريكا، أرض الأحلام والألف فرصة، لكن بسبب صعوبة تحقيق الحلم اختار البرازيل”

يحمل العديد من الشباب المغربي “ستوكهولم” خاصة في قلبه. لقد كان سمير يحلم بأمريكا، أرض الأحلام والألف فرصة، لكن وبسبب صعوبة تحقيق الحلم اختار البرازيل، بعد أن شجَّعه صديق دراسة مقرب منه على المحاولة بعد أن جرب هو نفسه الرحلة. بدا سمير منفتحا على الحديث عن حياته وسفره، الذي انطلق برحلة سياحة لمدة قصيرة من أجل التعرف على البرازيل ونمط عيشها وتكلفة الحياة فيها وإمكانية إيجاد فرص عمل في مجاله، وهو التصوير.

يجزم الشاب المغربي بأنه إن بقي في المغرب ما كان ليُحقِّق أي تقدم مادي أو مهني كما حقق في البرازيل. ويحاول المهاجر/اليوتيوبر المغربي أن يُغيِّر الصورة النمطية التي تتسِم بها البرازيل وغيرها من دول أمريكا الجنوبية، تلك البلدان الجميلة التي تنخرها الجريمة والمخدرات، حيث يؤكد غير ما مرة في منصات مختلفة بأن “الجريمة في البرازيل” ليست ظاهرة كما يتخيَّل غير المقيمين بها، وأنها ظاهرة محدودة.

بوصوله إلى البرازيل، ولإدراكه بأن الطريق إلى بلاد الأمازون قد يثير فضول الكثيرين، بدأ سمير مشاركة حياته ويومياته عبر “التدوينات المصورة” (Vlogs)، وبعد ذلك قرر إنشاء مجموعات تواصل على تطبيق واتساب. يقول سمير: “هذه القنوات تساعدني وتساعد الجميع، مساعدة الناس تتطلب جهدا كبيرا وتمثل مسؤولية كبيرة لأنه ليس من السهل الإجابة على كم التساؤلات والمخاوف لدى الناس”.

في هذه المجموعات تتقاطر الرسائل باستمرار على مدار الساعة، وتتكرر الأسئلة والأجوبة، والحوارات والنقاشات والخلافات. ويبدأ النقاش عادة برسالة “السلام عليكم خوتي، ناوي إن شاء الله نسافر للبرازيل، وبغيت نعرف شحال يقدني (كم يلزمني) باش نعيش حتى استخراج وثيقة السماح بالعمل”. في كل نقاش نجد نموذجين أساسيين، نموذج مشجع يعدد الأشياء الإيجابية في البرازيل، ويعتبر أن الرحلة ليس بتلك الصعوبة التي يروج لها الناس، فيما يبدو النموذج الثاني أكثر تحفظا، ويُبرز السلبيات التي قد لا يراها المتحمسون، خصوصا أولئك الذين لم يقطعوا المحيط للذهاب إلى الجانب الآخر.

في المجموعات نفسها يمكن تقسيم الراغبين في السفر أو المسافرين إلى فئات أخرى، أهمها الفئة القادرة أو المخططة، وهي فئة تأتي بخطة واضحة، غالبا ما يكون شخصا يملك حرفة يمكن أن يقتات منها في أي مكان، بمدخرات محدودة، وبقدرات لغوية أساسية بسيطة. الفئة الثانية هي لأشخاص لا يملكون أي شيء مما سبق، اللهم ثمن تذكرة الطائرة، ولذا يكون التعويل على الجمعيات الخيرية التي يدق المهاجرون بابها منذ اليوم الأول.

في مقطعين منفصلين، يتحدث “مسمار البرازيل” عن هذا الأمر بالكثير من الضيق، في مقطع أول سيوجه الكلام للشباب الراغب في الهجرة للبرازيل داعيا إياهم إلى القدوم بقدر معقول من المدخرات تكفي لثلاثة أو أربعة أشهر على الأقل. يقول: “سألت أحد الذين تعاملت معهم من رجال الأمن حول مراكز إيواء اللاجئين، فأجابني مباشرة: المراكز ممتلئة، هناك الكثير من المغاربة”. ثم يحكي سمير عن توصُّله إلى معلومات عن ثلاثة شبان مغاربة وصلوا إلى البرازيل، ومباشرة من المطار اتخذوا الرصيف وسادة فأمضوا ليلتهم في الشارع قبل أن يتصل أحد السكان بالشرطة، كي ترافقهم إلى أحد مراكز الإيواء.

يفتح الاطلاع على هذه القصص باب أسئلة لا نهاية لها. إن كان السفر يأتي كما تقول الدراسات لدواعٍ اقتصادية بالأساس، أي تحسين الوضع الاقتصادي للمسافرين، يظل من غير المقبول منطقيا هجرة الشاب الذي كان يملك على الأقل “بيتا وسريرا وطعاما” من أجل الحصول على الشيء نفسه تقريبا، بل وبجودة أقل بكثير، ومن ثمَّ فإن الوازع المادي الاقتصادي قاصر عن تفسير جميع هذه الهجرات.

” الوازع المادي الاقتصادي قاصر عن تفسير جميع هذه الهجرات بمفرده”

تأتي بعض الفيديوهات التي تتحدث عن البرازيل وتثير هذه النقطة، إذ يؤكد عدد من صناع المحتوى الخاص بالحياة في البرازيل أن البلاد ليست الوِجهة المناسبة لمن يريد جمع الأموال والعودة إلى المغرب، فالحد الأدنى الرسمي للأجور في البرازيل هو 1621 ريالا برازيليا (نحو 295 دولارا)، فيما يصل الحد الأدنى للأجور في المغرب إلى 275 دولارا. ولذا فالحياة في البرازيل هي اختيار لأسلوب حياة أكثر من كونه اختيارا اقتصاديا.

في إحدى القنوات، تخرج فتاة مغربية مهاجرة في مجموعة فيديوهات للحديث عن تجربتها هي الأخرى في السفر إلى البرازيل، حيث كان الدافع صعوبة الحياة والعمل، إذ كانت تعمل في مصنع للأسلاك، ما يعني أنها من الطبقة الكادحة. تقول الشابة إنها لم تكن تعمل بشكل مباشر، بل كانت تشغل منصب مسؤولة عن فريق، ورغم ذلك قرَّرت الخروج من المغرب للبحث عن آفاق أفضل لمستقبلها، ولذلك لم تفكر كثيرا حينما جاءت فرصة البرازيل، فسافرت بحثا عن غد أفضل.

تبدو التجربة مغرية للعديدين، ويقول لنا سمير إن “الحرية” تعتبر أحد الأسباب التي تدفع الناس إلى السفر، فهناك لا أحد يتدخل في شؤون الآخرين. صحيح أنه أخبرنا أن هذا الهاجس يظل أقل حضورا إذا ما قارنَّاه بالعامل الاقتصادي، إلا أن عددا من الشباب المغربي يختار الهجرة لأنه يريد الحياة على طريقة مختلفة عن تلك السائدة في مجتمعه المحافظ.

في لقاء له مع “يوتيوبر” مغربي آخر، يطرح سمير هذه النقطة، حيث يقول إن العديد من الشباب المغربي المهاجر يرغب في حرية “حقيقية” (وفق مفهومه الخاص عن الحرية) وغالبا ما يكون الحديث هنا حول نوع من “الحريات الاجتماعية” المتحررة من الطابع المحافظ الذي يصبغ الحياة في المغرب والعديد من الدول العربية. جميع هذه النماذج الراغبة في السفر، أو تلك التي وصلت بالفعل إلى البرازيل، تجتمع في حلم واحد: الحصول على الإقامة الدائمة والزواج بشخص يحمل الجنسية البرازيلية، تلك الجنسية التي تتيح الدخول للعديد من الدول من دون تأشيرة، وعلى رأسها دول أوروبا.

حلم الابتعاد

يعمل صديقي زايد في إحدى مؤسسات التأمين، لا يزال عازبا ويعيش مع أسرته في منزل يبعد عن مقر عمله بحوالي أقل من 5 دقائق مشيا على الأقدام. يعتبر صديقي من بين الشباب الذين تمكَّنوا من النجاح في الحفاظ على نمط حياة يشبه نمط عيش أسرته، وهي من الطبقة الوسطى العليا. لا يخفي زايد رغبته في الخروج من المغرب، لا لدواعٍ اقتصادية، بل لأسباب اجتماعية، وقد أسرَّ لي بأنه لن يتردد أبدا في الابتعاد إذا ما سنحت له الفرصة، قائلا إنه لا يعلم في الحقيقة إن كان الابتعاد بالذهاب إلى مكان قريب نسبيا مثل أوروبا يفي بالغرض، أم أنه من الأفضل الابتعاد أكثر، إلى مكان مثل أستراليا، لعله يصبح أسعد كلما كان أبعد. يبحث زايد عن الخصوصية التي يفتقدها في مجتمع متداخل لا يمنحه فرصة للتمتُّع ببعض الفردانية من وجهة نظره.

في دراستها بعنوان: “أحلام بالعيش في مكان آخر أم رغبة في البقاء؟ رحلة عبر مراحل الشباب المضطربة والهجرة في المغرب”، تقول الباحثة المغربية شيماء رضواني إن الشباب المغربي يشعر بأنه عالق داخل ثقافة تعتبر أن الزواج والاستقلال الاقتصادي شرطان أساسيان لبلوغ سن الرشد، ما يعزز شعور التهميش لديهم، وربما يعاني صديقي من هذا الأمر دون أن يدرك تمام الإدراك لهذه النقطة.

لا يمكن على كل حال تحديد دوافع واحدة للشباب المغربي نظرا للفوارق الكبيرة بين الذكور والإناث، وبين شباب المدن والقرى، وكذلك بين ذوي المستويات التعليمية المختلفة، إلا أن بعض المشاكل من هشاشة سوق العمل ومعدلات البطالة ساهمت بشكل كبير في الحد من استقلالية الشباب وعرقلة تطورهم الشخصي ورفاههم العام. ولهذا السبب عمل المغرب في العقد الأخير على إطلاق إصلاحات لتحسين ظروف العيش وإدماج عدد أكبر من الشباب، لكن رغم ذلك، يُطِل السفر خيارا مغريا لتحقيق النجاح الموعود بسرعة أكبر.

يقول الباحث المغربي صهيب الحجلي في دراسته “ظاهرة الهجرة في تاريخ المغرب المعاصر”، إن البدايات الأولى للهجرة في المغرب ارتبطت ارتباطا وثيقا بنسق العلاقات الاستعمارية التي نشأت بين الدول الاستعمارية والدول المستعمرَة. إذ إن تطور وازدهار هذه الهجرة لم يكن سوى أحد آثار الاستغلال الاستعماري النابع عن التحولات التي طرأت على بنى الاقتصاد بين الدول الأوروبية ومستعمراتها. وقد أقدمت فرنسا خصوصا على تحطيم البنى الاجتماعية التي وجدتها في الدول التي احتلتها، كما عملت على بناء نمط تبادل اقتصادي بإحدى الوسيلتين: الاستعمار العسكري المباشر كما حدث في الجزائر، أو آلية الاستعمار المقنع (الحماية) التي فرضتها على تونس والمغرب.

قبل عشرينيات القرن الماضي، لم تعرف فرنسا أي هجرات مغاربية معتبرة، ما يفسر ذلك كان هو أن رأس المال البشري المغاربي، ومنه المغربي، كان تحت تصرف الرأسمال الفرنسي، وكان الأجدى حينئذ هو بقاؤه في بلده الأصلي. فيما كان هناك نمط آخر للهجرات في تلك الفترة يسمى “الهجرة الجوارية”، فقد كان سكان الريف المغربي مثلا يهاجرون إلى الجزائر المستعمرة للمساهمة في الأشغال الفلاحية، ذلك لأن هذا النوع من الهجرة كان يخدم المستعمر.

“قبل عشرينيات القرن الماضي، لم تعرف فرنسا أي هجرات مغاربية معتبرة”

بدأت الهجرات الأولى إلى فرنسا “المتروبول الأم” قبيل الحرب العالمية، حيث تم استغلال العمالة في دول شمال أفريقيا للعمل في المصانع والمناجم. ويقول الكاتب “جواني راي” في كتابه “المغاربة في فرنسا” إنه في حوالي سنة 1909 انتقل حوالي 100 مغربي منحدر من منطقة سوس إلى مدينة “نانت” للعمل في صهر المعادن.

لكن هذا العدد ظل استثنائيا وقليلا مقارنة مع السنوات التي تلت الحماية (1912)، حيث كانت السلطات السياسية والعسكرية الفرنسية ترغب في الحفاظ على “أراضي الاستعمار” من أجل حشد الإمكانيات البشرية والمادية للنهوض باقتصاد مستعمراتها ودعم فيالقها العسكرية، ولذا أقدمت على إنشاء مصلحة “تنظيم عمال المستعمرات”، التي عملت على ممارسة رقابة مباشرة وغير مباشرة على حركة الهجرة.

كتابه "المغاربة في فرنسا" للكاتب جواني راي
كتابه “المغاربة في فرنسا” للكاتب جواني راي (تم التصميم بالذكاء الاصطناعي)

مع وصول العام 1919 بلغ عدد المغاربة ما بين 25-30 ألف مغربي مهاجر، هجَّرتهم فرنسا للعمل في مصانعها ومعاملها، لكن غداة الحرب العالمية الأولى أُعِيد بعضهم إلى أرضه الأصلية، إذ لم تكن الهجرة خيارا، ولذا لم تكن العودة اختيارية.

منذ ذلك الوقت، انتاب الفرنسيين هاجس ألا يرضى العرب المغاربة باستغلالهم، وأن يبدأوا في التنقُّل بحرية، ولذلك أقدمت سلطات الحماية على فرض رقابتها على كل هجرة، واستصدرت ظهيرا “مرسوما” بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 1921 يمنع من فتح المكاتب الوسائطية في عمليات التشغيل في الخارج، ثم جاء ظهير ثان يمنع تصدير اليد العاملة المغربية إلى الخارج بالكامل.

في بدايات الخمسينيات، ظهر معطى جديد بشأن الهجرة الأوروبية: الانكماش الاقتصادي، الذي عرقل سوق العمل والهجرات، علاوة على الحضور المهم للمقاومة المغربية ضد الاستعمار، الذي دفع فرنسا لتشديد الرقابة على التحركات السكانية بين عامي 1950 و1955. ولكن بعد الاستقلال تغيَّرت المعطيات، وظهر “بروفايل” جديد للمهاجرين، وليس الحديث هنا عن العمال بل عن الطلبة، الساعين لتحصيل المؤهلات العلمية، التي أصبح عهد الاستقلال يتطلع إليها بسبب غياب البنى التعليمية اللازمة في المغرب، خاصة في مرحلة الدراسات العليا.

في الستينيات بدأت حركة الهجرة المغربية في التوسع بشكل لم يسبق له مثيل، فلم تعد مقتصرة على فرنسا، بل اتسعت إلى دول أخرى مثل بلجيكا وهولندا وألمانيا وإنجلترا والبلدان الإسكندنافية، وحتى بعض الدول التي كانت هي نفسها تفقد مواطنيها بسبب الهجرة مثل إيطاليا وإسبانيا. وفي هذه الفترة تطورت رغبات المغاربة بالاشتغال في قطاع التجارة والخدمات، فكانت فرنسا رغم ذلك وجهة مفضلة خصوصا لسكان الجنوب المغربي الذين كانوا ينظرون إليها على أنها “جنة” تنتهي على أعتابها جميع المشاكل الاقتصادية.

عندما تعشق شوكولاتة “برّا”

لا أدري لماذا ترتبط صورة الدار البيضاء في ذهني بالبخور، ربما لأن أمي تصر على أن تحافظ على هذا الطقس أيام الجمعة والأعياد. يفوح العود في كل مكان، هناك أشياء كثيرة ثابتة لا تتغير، لكن هناك الكثير من الأشياء التي تتغير باستمرار، الدار البيضاء إحدى هذه الأشياء، أو ربما أهمها.

تغيَّرت الدار البيضاء كثيرا على مدار زياراتي الأخيرة، فقد اندثرت معالم كثيرة، أهمها “المدينة القديمة”، قلب العاصمة الاقتصادية للمملكة. عندما ذهبت لشراء بعض الفواكه في مكان كان يدعى سابقا “درب الطاليان”، قال لي بائع الفواكه مشيرا إلى المساحة الشاسعة الفارغة من خلفه كأنه يشير إلى صرح من الخيال: “دارنا كانت هنا، فين هو دربنا؟ ناض فيه الربيع” (منزلنا كان هنا، أين هو حيُّنا؟ نبت فيه النبات الأخضر).

في السيارة نفسها وصلت لأول مرة “الدار البيضاء المالية”، مدينة أخرى داخل المدينة، لا تشبه كثيرا الدار البيضاء التقليدية. هناك البنايات العالية والمقاهي والمولات الفاخرة والأثمان الخيالية للسكن. يعكس مشروع الدار البيضاء المالية التزام المغرب بتعزيز التنمية الاقتصادية وتشجيع الاستثمار الأجنبي وترسيخ موقعه كفاعل أساسي في النظام المالي العالمي، وساهم هذا المشروع في جعل المدينة ثالث أفضل مركز مالي في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وفق مؤشر المراكز المالية العالمية “GFCI”.

عمليات هدم لبعض الأحياء القديمة بمدينة الدار البيضاء لإنشاء مشاريع جديدة
عمليات هدم لبعض الأحياء القديمة بمدينة الدار البيضاء لإنشاء مشاريع جديدة (الجزيرة)

يعمل المغرب على تحويل الدار البيضاء إلى مركز مالي رئيسي، يجذب المؤسسات المالية ومقدمي الخدمات والشركات الدولية لإنشاء مكاتب إقليمية فيها، كما يسعى إلى تقديم المدينة بوابة نحو شمال وغرب ووسط أفريقيا، ما يعزز جاذبيته للاستثمار الدولي. كل هذه الأمور تهدف إلى تلبية احتياجات المستثمرين والسياح، بيد أن هذا الأمر لم يحل مشكلة الفقر لدى شريحة من سكان المدينة، ولم يسهم بعد في تقليص الفوارق الاجتماعية بشكل ملحوظ.

“ترفع المدن الكبرى من رغبات الناس في الترقي الاجتماعي، والهجرة من أهم الحلول التي يفكر فيها الشباب لذلك”

ترفع المدن الكبرى من رغبات الناس في الترقي الاجتماعي، والهجرة من أهم الحلول التي يفكر فيها الشباب من أجل إيجاد مكان لهم وسط هرولة المجتمع نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية، وتحقيق الحلم الذي يحدد مكانة الرجل وقدراته الاقتصادية وموقعه الاجتماعي: “الدار والطوموبيل”، أو المنزل والسيارة، الدليلان الواضحان على النجاح الاجتماعي.

أما الهجرة فتكون بطرق ثلاث: أولى نظامية، وثانية شبه نظامية بأخذ تأشيرة سياحية ثم المكوث، أو الهجرة غير النظامية عبر قوارب الموت التي أنهت حياة الكثير من الشباب المغربي في مقتبل أعمارهم. أتذكر جيدا كلام جارنا عن حلم الهجرة والغربة، لا تسعف الكلمات من أجل إيصال مدلول كلمة “غربة” في القاموس الشبابي المغربي، ليس للمصطلح أي مكنون سلبي، فقط الحلم والخيال والجمال والخضرة والغنى والترقي الاجتماعي، الغربة تلك “الجمرة الكاوية” كما غنى جمهور الرجاء البيضاوي ذات يوم، الجمهور نفسه الذي كتب رسالة أظهرت نشوء وعي مختلف: “أقاع المحيط أكرم من قاع الوطن؟”.

أخبرني جاري الذي جاوز الأربعين أن رفاقه كانوا يعرفون وجهات الباخرات من الأصوات المنبعثة منها، وصل هؤلاء الشباب إلى تزاوج روحي مع الضفة الأخرى، حيث الأرض الموعودة. لا أستغرب كثيرا هذا الهوس الكبير بالسفر لتحسين الأوضاع الاقتصادية، الاقتصاد هو عصب الحياة كما يقول الماركسيون، وسيدنا أبو ذر، في المقولة المنسوبة إليه، تعجب كيف لا يخرج من لا يجد قوت يومه شاهرا سيفه، لكنني ما زلت أستغرب ممن يجد قوت يومه، ويعيش حياة مستقرة، أن يترك كل هذا بحثا عن شيء ما، كما هو حال إحدى معارفنا التي عكست جميع القواعد، فبعد أن كان الناس يتغربون من أجل “الدار والطوموبيل”، بدأ يظهر نموذج آخر يبيع “الدار والطوموبيل” من أجل التغرب تأمينا لمستقبل الأبناء. ولكن ما المكسب يا ترى؟ ليست الإجابة سهلة فيما يبدو.

“لم تعد أوروبا وحدها حاملة لواء حلم المهاجر المغربي”

لم تعد أوروبا وحدها حاملة لواء حلم المهاجر المغربي. لقد جرَّب المغاربة الحلم الأمريكي المتوحش، والبرد الكندي القارس، وها هو بعض الشباب يصل إلى البرازيل، لتنضم بدورها إلى لائحة “برا” الطويلة. شيء واحد لم يتغير: ذلك الإحساس العالق في وجدان كثيرين، أن الحياة الحقيقية توجد دائما في مكان آخر، أو كما يقول المثل الفرنسي: “تبدو الأرض أكثر اخضرارا دائما على الضفة الأخرى”.

من الطفل الذي يحفظ لوحات السيارات الأوروبية، إلى الشاب الذي يصل وحيدا إلى ساو باولو، تتغير الوجهات واللغات وحدود الأحلام، وتظل الفكرة نفسها، تلك الفكرة الغريبة، المقبولة أحيانا وغير المعقولة في أحيان أخرى: أن الرحيل هو السبيل الوحيد للخلاص.

ولهذه الفكرة تجليات أخرى أيضا، ربما من بينها أن أمي ما تزال مقتنعة إلى اليوم بأن قطعة “فيريرو روشيه” القادمة من الخارج ألذ من تلك التي تباع في الدار البيضاء، حتى وإن كان الطعم نفسه تماما.

____________________________

(*) مقتطف من أغنية الفنان المغربي الحسين السلاوي، التي جاءت في ظرف إنزال القوات الأمريكية على سواحل المغرب في نوفمبر/تشرين الثاني 1942، أثناء الحرب العالمية الثانية. حين حلَّ الجنود الأمريكيون تعرَّف المغاربة على “ترف العيش الأمريكي” وعرفوا منتجات مثل الفنيد فليو (حلويات النعناع) والشوينغوم (العلكة) والسيجار. وجاءت الأغنية الساخرة التي افتُتِح بها المقال بنفس متحسر على التغيُّر الذي بدأ يظهر على المجتمع المغربي المحافظ بفعل الاستعمار وانتهاك سيادة بلاده من طرف الغربيين.

المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة